ابو القاسم عبد الكريم القشيري
619
لطائف الإشارات
يستسلمون في الظاهر ويقرّون باللسان ، ثم المخلص يبقى على صدقه . والذي قال لخوف سيف المسلمين ، أو لغرض له آخر فاسد يتولّى بعد ذلك ، وينحاز إلى جانب الكفرة . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 48 ] وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ( 48 ) علموا أن افتضاحهم في حكم نيتهم ، فمن علم أنه قاسط في خصومته لم يطب نفسا بحكمه . وكذلك المريب يهرب من الحقّ ، ويجتهد في الفرار « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 49 ] وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ( 49 ) منقادين يميلون مع الهوى ، ولا يقبلون حكمه إيمانا . وكذلك شأن المريض الذي يميل بين الصحة والسقم ؛ فأرباب النفاق مترددون بين الشك والعلم ، فليس منهم نفى بالقطع ولا إثبات بالعلم ، فهم متطوّحون في أودية الشك ، وهذا معنى قوله : [ سورة النور ( 24 ) : آية 50 ] أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 50 ) فلمّا انخرطوا في سلك التجويز ما حصلوا إلا في ظلم الشك ، ولما لم يكن لهم يقين في القلب لم يكن معهم لأهل القلوب ذكر . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 51 ] إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 51 ) .
--> ( 1 ) ذكر الواحدي في « أسباب النزول » ص 221 ان هذه الآية نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض ، فجعل اليهودي يجره إلى رسول اللّه ( ص ) ليحكم بينهما ، وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف ويقول : إن محمدا يحيف علينا . . . إلخ .